أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
8
العقد الفريد
فخّا ، فجاءت عصفورة فنزلت عليه ، فقالت : ما لي أراك منحنيا ؟ قال : لكثرة صلاتي انحنيت . قالت : فمالي أراك بادية « 1 » عظامك ؟ قال : لكثرة صيامي بدت عظامي . قالت : فمالي أرى هذا الصّوف عليك ؟ قال : لزهادتي في الدنيا لبست الصوف . قالت : فما هذه العصا عندك ؟ قال : أتوكّأ عليها وأقضي بها حوائجي . قالت : فما هذه الحبّة في يدك ؟ قال : قربان إن مرّ بي مسكين ناولته إياه . قالت : فإني مسكينة ! قال : فخذيها . فدنت فقبضت على الحبة ، فإذا الفخ في عنقها . فجعلت تقول : قعي قعي . تفسيره : لا غرّني ناسك مراء بعدك أبدا . إسرائيلي وقبرة : داود بن أبي هند عن الشّعبي : أن رجلا من بني إسرائيل صاد قبّرة ، فقالت : ما تريد أن تصنع بي ؟ قال : أذبحك فآكلك ! قالت : واللّه ما أشفي من قرم « 2 » ولا أغني من جوع ، ولكني أعلمك ثلاث خصال هي خير لك من أكلي : أما الواحدة فأعلمكها وأنا في يدك ، والثانية إذا صرت على هذه الشجرة ، والثالثة إذا صرت على الجبل . فقال : هات الأولى ، قالت : لا تتلهفن على ما فاتك . فخلّى عنها ؛ فلما صارت فوق الشجرة قال : هات الثانية . قالت : لا تصدّقن بما لا يكون أنه يكون . ثم طارت فصارت على الجبل ، فقالت : يا شقيّ ! لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درّة فيها زنة عشرين مثقالا . قال : فعضّ على شفتيه وتلهّف ثم قال : هات الثالثة . قالت له : أنت قد نسيت الاثنتين ، فكيف أعلّمك الثالثة ؟ ألم أقل لك لا تتلهفنّ على ما فاتك ؟ فقد تلهفت عليّ إذ فتّك ، وقلت لك . لا تصدقن بما لا يكون ، أنه يكون ! فصدقت ! أنا وعظمي وريشي لا أزن عشرين مثقالا ، فكيف يكون في حوصلتي ما يزنها ؟ من أمثال الهند : وفي كتاب للهند : مثل الدنيا وآفاتها ومخاوفها والموت والمعاد الذي إليه مصير الإنسان :
--> ( 1 ) بادية : واضحة . ( 2 ) قرم : شدة شهوة اللحم .